أنا بخير، بخيرٍ كثير يا صديقي
رغمَ الجهد و العمل الدءوب طيلة الأيام الماضية و الإنهاك، ما زلت بخير.
أحس بأن عقلي جاوز مرحلةَ الغليان إلى الانصهار، جاوز مرحلة التشبّع و الرغبة في ثقبِ الدماغ لسكبه منذُ أمدٍ حتى صارَ يتبخّر.. هنالكَ بقاياً في القاع الآن أظنّ أنها هي ما يبقيني على قيدِ عقلٍ حتى هذه اللحظة.
اليوم سلّمنا المشروع الذي كنت أعمل عليه مع مجموعتي طيلة الأشهر الماضية. أربعة نسخٍ مطبوعة، و قرص مرفق مع كلّ بحث. إحساسٌ غريب و أنا أمسك بالورق و أضمّه لصدري في الطريق إلى رئاسة القسم.. جهد الفترة الماضية ها هو يسلّم الآن.
و أرتاحُ لحظياً لأفكّر بالستة موادٍ الباقية و اختباراتها، بقيت لي ثلاثة أسابيع سأؤدي خِلالها امتحانات مقرراتي الدراسية الأخرى حتى موعد المناقشة. لم يحن الوقت بعد لتنفّس الصعداء، لكنّي أتنفّس، أسرق شهقاتٍ خفيفة من الوقت لتستمرّ الحياة.
البارحة ذهبت إلى جرير في أوّل مرة أخرج فيها من بعد العاشر من الشهر الماضي يوم ميلاد صديقتي، أحسست أنني سأكون مدعاة للشفقة إن بقيت على هذه الحالة من حبس نفسي أكثر من ذلك.. لكنّي سعيدة، سعيدة لأنني أملك كلّ الدوافع و الأحلام الحلوة و الأمنيات لكي أبقى سعيدة و متفائلة حتى لو بكيت قبل أن أنام من وجع كتفيّ من حملِ حقيبة المحمول يومياً من و إلى الكلية، أو من ألم رأسي.
الشيء الجميل أن يكون في حياة عقرب مثلي كل هذا العدد من الثيران ^_^
صَديقتي توفي، أخي المغترب، أختي المراهقة، و الكثير من الأصدقاء على الشبكة.
أفكّر الآن بهدية مناسبة لرفيقة عمري لطيفة..
ميلادها في العاشر من الشهر الجاري، و لم أقرر بعدُ ما الذي يمكن أن أختار لها من الهدايا.
هي مرحة، جريئة، تفضل من العطور المسك الأبيض، تحبّ ورد الجوري،
فكرت أهديها جوال لكنها للتوّ اشترت واحد جديد، و اللاب توب ثقيل على ميزانيتي.
فكرت بإهدائها مجموعة من الزيوت العطرية أعرف أن كِلانا تفضلها
+ أشياء أخرى لم أحددها حتى الآن…
أريد شيئاُ لا يموت بسرعة مثل الورد!
يكون معها أطول وقت ممكن، لا تركنه مثل التحف أو الدمى،
شيء قابل للاستعمال، نفّاذ الرائحة كالعطور مثلاً، أو تحتفظ به مثل الميداليات
صديقتي لا تقرأ، لو كانت كذلك لوفرت علي عناء التفكير بالممكن و اللا ممكن
تعمل معلمة لغة انجليزية للأطفال، و تحب اللون الأزرق.
اعتدنا منذُ زمن على العيشِ دونَ خادمة، كانت تأتي في الأزمات.. حينَ تلد أمي مثلاً أو عندما تكون إحدانا في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية. و كانت حياتنا طبيعية.
خادمتنا الأخيرة غادرت منذ سنتين، كنا نمشّي أمورنا باعتيادية بعدها.. لكن مؤخراً، لم أرَ بيتنا في هذه الحالة من الكركبة من قبل. تُرى ما الذي تغيّر؟
ربما لأنني و أختي على مشارف تخرج، كلّنا عالِقاتٍ في أزمة مشروع، إخوتي يدرسون كلهم، و أمي مشغولة باختبارات شهادة الدبلوم العالي التي أنهتها قبل أسبوعين، كانت مريضة عدة أيامٍ أيضاً، و هي كذلك رئيسة تحرير لمجلة محلية.. و والدي موظّف. هه تخيلوا للحظة فكرة أن يقوم الوالد و الإخوة بأعمالِ المنزل بدلاً عنّا؟ عن نفسي لا أستطيعُ رسمَ الصورة في خلفية تصوّري حتى. يكفي أنّ “عبود” يترك أكياس القمامة يوماً كاملاً من الترجي و الاستدعاء حتى يتلطّف و يرميها!
في مُحاولات لاحتِواء الأزمة في منزلنا قسّمنا المهام.. طالب المرحلة الابتدائية يعبئ آنية الماء و يُخرج القمامة للشارع. طالب الثانوية صارَ سائقاً بدوامٍ نصفيّ لصالح أغراض المنزل، أمي تتولى طهوَ الغداء و غسلَ الصحون حتى موعد عودتنا من الجامعة.. و قسّمنا عمل المطبخ بعدها على ثلاثة أيام تتولّى كل واحدة منّا أنا و أخواتي يوماً من ساعة الغداءِ و حتى الليل.. و ما زالَ بيتنا في حالةٍ مزرية، تحوّل أحد المجالس إلى غرفةٍ خاصة بالصغيرة التي تجلس طوال اليوم متابعةً Space Tone، mbc3, و قناة المجد للأطفال.. ناثرةً ألعابها في كلّ مكان، و الويلُ لمن يقترب من بيت القِطّة _كما أسميناه_ إلا إن كانَ سيشاركها المشاهدة أو اللعب و رواية القصص مثلاً.
في بيتنا أزمة مالية كذلك. لستُ بصددِ شرحها، لكنّي صرت أحس أحياناً أننا نعلو خطّ الفقر بدرجتين. لم أتخيّل أن أزمة الاقتصاد العالميّ ستلقي بثقلها على المواطنين البسطاء أمثالنا، كلّ سنةٍ صارت أسوأ من سابقتها، حتى البيت الذي نبنيهِ في مساحةٍ لا تتجاوز الـ500متر ما زال تحتَ الإنشاء منذ أكثر من خمس سنين _في الحقيقة توقّفتُ عن العدّ منذ تعدينا المدة المحددة للخطّة الخمسية_
صارَ كلّ شيء متعلق بالبيت الجديد. آمالنا منشورةٌ على سور البيت الجديد.. سنستقدم الخادمة في البيت الجديد، غرفتي الخاصة في البيت الجديد، حتى السفر تأجل لما بعد السكنى في البيت الجديد الذي يخيّل لي أن المهندس أحمد كان يتّصل قبلَ دهرٍ ليسأل عن والدي قائلاً: قولوا له المهندس أحمد اللي بيبني لكم الفلة الجديدة. و ما عادت الفلة جديدة!
أحمد الله بالطبع أني فرد في هذي العائلة السعيدة، و حينَ أقول سعيدة فأنا أعنيها حرفياً.. ابتداءً من جدالي مع أختي الذي يتحوّل ببساطة إلى عِراكٍ حامٍ تنشب فيه أظفارها بساعدي في الوقتِ الذي أجرّ فيه شعرَ رأسها! أو نقاشي مع والدتي بخصوصِ برنامجٍ ثقافيّ تركنا موضوعه و أخَذنا نعلّق على حِجاب المذيعة التي يفترض أن تكون سعودية.. و انتهاءً بمناداتي لطالب الثانوية من الدرَج كي يخفّ على التحميل قليلاً ليتسنّى لي إنهاء مقطعٍ كنت أشاهده على الـ You Tube..
أحبّ حتى حِواراتنا التافهة، الكلمات التي ترددها الصغيرة في كل مرة بعدما أسألها: تحبيني؟ لتردّ: أحبك قد الكون، قد الدنيا، قد القلوب.. و نتشاجر أنا و هي على جدوى إدخال القلوب في الحِساب من عدمه.
يوماً ما سأذكر الأيام التي أعود فيها من الجامعة جائعة لأجدهم قد تناولوا الغداءَ قبلي و سبقوني، و لا أدري إن كنتُ سأكون في نفس المزاجية التي أمارسها الآن بتفرّد اعتراضاً على كلّ القرارات العشوائية في منزلنا أم أنني سأنضج و أكبر و أتغير، و تتغيّر معي مزاجيتي في كلّ شيء، حتى على نفسي و على غرفتي! الغرفة التي بعدما كنتُ أخصص يوم الأربعاء من كل أسبوع لترتيبها، صرتُ أفرح لو وجدتُ الوقت لها في الشهرِ مرة أو مرّتين. و في هذه المرات بالتأكيد أني كنتُ أبحث عن شيءٍ ضائع تحت الركام. ربما عقلي مثلاً.. أو أحدَ كفيّ.
أحلم دائماً أني سأنطلق يوماً، سأحلّق لأدخل مداراتٍ أخرى _غير بيتنا الصغير، هذا المحكوم بقوانين غريبة نصفها متناقضات، و القاطن في الجزء الشرقيّ من هذا العالم _ سأحلّق لأرى الدنيا و أنشئ عوالمي الخاصّة. سأحرّر لي في كلّ بلدٍ قصة، و أسافر كثيراً، حاملةً بيتنا الصغير ذو الحالة المزرية في قلبي.. فقط في قلبي.
تلحّ عليّ هذهِ الرغبة بشدة منذ قدومي من الجامعة اليوم حتى أكادُ أبكي.
و في المُقابل: أذكر كيفَ كنتِ الفصلَ الماضي، مَشغولة حدّ الجري في الطرقِ الطويلةِ ذاتها التي أجري بها الآن مُحاوِلة اللحاق بالزمن. تحسين أن الوقتَ يهرب مخلّفاً خيطَ دُخانٍ طويل لا يكادُ يُلتقط. و لا شيءَ من الأعمال التي تُجاهدين لتخليصها يُنجَز.
لا أدري عن مقدرتكِ على الاحتمالِ حينها، لكنّي أستهلك طاقتي الاستيعابية القصوى لتحمّل الضغط و البقاء على قيدِ الحياة حالياً.
أحتاجُ الدعمَ يا أمل. و لأنّكِ كنتِ في ذات الموقف قبل عِدة أشهرٍ فقط
أمدّ كفّي لكِ.. شدّيهِ سأبكي.
أحبّ برستيحي و برستيجي يحبّني، نشأت بيننا علاقة حميمة منذُ زمن أشبه ما تكون بعلاقة تكافل.. فبعدما ولدتني أمّي نقطةً و نسيتني، حدّ لي والِدي حواجز شفيفة ذات اليمين و ذات الشمال كي أكبر؛ لم يقصّر معي أبداً. كان يرعاني من فوقي و من أسفَل منّي و عن يميني و عن شمالي.. حتى نشأتُ كخط مستقيم رُسِم بمسطرة؛ و كانَ البرستيجُ على الضفّةِ الأخرى من كلّ شيء وحيداً يمشي مسطّراً هوَ الآخر. لا يصلني منهُ إلاّ صوته، و أطياف كُرَةٍ كانَ يركلها تجاهي كي ألتقِطها و لا أقدِر.
و لأنّ الخطوطَ المتوازية لا تتقاطع أبداً و لا تلتقي.. تعلّمتُ لعبةَ المماس من شياطينِ الحيّ. كانوا يلصِقونَ كلّ شيءٍ على الحائط و يسمونه مماساً.. حتى الفراشة التي لم أقتنِ منها واحِدةً بأجنِحة ملوّنة حتى الآن، علّقوها و هي تتشرنق على مسمارٍ دُقّ بالحائط و جعلوها تتأرجَح مُبتعِدة عن خطّ الجِدارِ تارة و قريبةٌ منهُ حدّ الالتِصاقِ تارةً أخرى؛ آه لو كنتُ أتأرجَحُ متعلّقاً من جِهة واحدة أنا الآخر لاستطعتُ فِعلَ أشياءَ كثيرة..
تعلّمتُ لعبةَ المماسِ و علّمتُه، و صرنا نقترب كلّ يومٍ من بعضِنا شِبراً أثناءَ مضيّنا ضمنَ الخطّ المستقيم إلى الهدفِ البعيد الذي لا أدري إن كانَ والِدي قد عيّنه لي هو الآخر أم أنّه اقتنعَ بأنّ استقامةَ الخطّ كفيلة بإيصالي إلى ما يُريدُ دونَ تعب.
نعم إلى ما يُريدُه هوَ لا أنا.. فطموحي منذ البِداية أن أكونَ دائرة، أو خطّا متعرجاً يشقّ طريقه كيف شاء و أنّى شاء محيطاً بِما يشاء حتى ينتهي؛ بل يخيّل لي أنّني كنتُ أظنّ الطرقَ الملتوية كالأنهار أو مثلَ كثبان الرمل أبداً لا تموت، و لا تنتهي..
ما يهمّ الآن، هو أن نشأتي في وسطٍ لا يعترف بالدوائرِ و لا بالتعرجات جعل من والدي يصرّ على إحاطتي بحواجز من جميعِ الجِهات حتى لا ألتفّ إلى ما أبغيهِ و أتكوّر.
***
كنّا نملك محلّ خزفٍ في أعلى المدينة، يرتاده الوالد يوميّاً و يجلس متسلطناً على الفرشِ الأثير في صدرِ الدكان. يأمرُ هذا و ينهى ذاك و يعقد صفقاتٍ مع تجّار المناطق المجاورة لتمويلهم باحتياجاتهم من الأواني الخزفيّة التي يريدون..
حين أحاول تذكّر وجهه الآن لا يحضرني إلاّ مرتبطاً بواجهة دكّانِنا للخزف.. كانَ حتى عندما يُنهي عمله و يأتينا البيتَ في المساء غالباً ما يصحب معهُ آنيةً أو اثنتينِ لصقلِها، و يبدأ التغنّي باسطوانتهِ التي لا تنتهي عن الجَلَد و الكفاح الذي صيّرهُ تاجر الخزفيّات الأوّل في المنطقة أثناءَ الدعك. كانت أختي عندما تبغي مساعدته أو حمل الآنية عنه يغضب، و يوصيها بالاهتمام بأدوات التنظيف فقط و تعقيمها جيّداً للجلسةِ القادمة.
و ما زالت كلّ الدروس التي علّمني عن أفضل الطرق لحفظِ الزجاج و الحِفاظ على ثقة الزبون ترنّ كلّما مددت يدي لأتحسّس طرف أذني أو قَفا المخيّلة. و كأنّي أستحضر الآن يومَ انكسرَ شمعدانٌ بالصدفة أثناء دخولي السريع للمحلّ ملبياً نِداءه بعدما قضيتُ النهار متسكعاً مع فارس؛ يومها سمِعتُ صوت ارتِطامٍ، لم أعِ حتى الآن إن كانَ صدى كفّهِ على وجنتي، أم صوت وقوعي على أرضيّةِ الخشب.
و لأنّنا لا نستطيعُ الاستِمرار في الأشياء التي نهوى ممارستها كما لا يمكننا تجاهل القدرِ أو لحكمة أخرى يعلمها الله.. ماتَ الوالد. يومها حزنّا قليلاً و فرحتُ كثيراً بتمكّني من الفكاك أخيراً من قسري الذي ماتَ معه، خاصةً و أنني تمكنتُ قبلها بيومينِ فقط من الاندِماج برفيقي الذي قطعتُ معهُ شوطاً لا بأس بهِ من المضي سويّة..
***
ظلّ مكانَ أبي في الدكّانِ خالياً بعدَ وفاتِهِ فترة، قبلَ أن أستيقِظَ ليلة على حلمٍ سيّئ تحوّلت فيه الأواني إلى كائناتٍ حيّة متوحّشة تهاجم بعضها و تهاجمني و تصرخ؛ يومها قرّرتُ أنّ المكانَ القديم لا بدّ و أن يشغلهُ أحد عدا الصبيّ الذي صارَ يبيعُ للزبائنِ خزفاً مخدوشاً أو بهِ علّة تسهّل كسره بالضبطِ كما كانَ والدي يخشى.
صرتُ أباشر العمل هناكَ يومياً.. و في الطريق، أمشي متعرّجاً أنا و فارس مارّينَ بأزقة لم نطأ من قبلُ و شوارعَ ملتوية فسيحة بنوافير ملوّنة و أبنِية دائريّة و ساحات.. نصلُ متأخّرينَ أحياناً أو قبل الإغلاق بساعة أحياناً أخرى، أو نواصل الليلَ بالنهارِ من و إلى الدكانِ حتى لا تفوتنا متعة اكتشافِ الالتواءاتٍ الجديدة و محاولة طَرقها.
كانَ برستيجي خَير معينٍ لي في ذلك؛ و لي أن أعترف أنّي لولاه لضيّعت أشياء كثيرة.. أوّلها الدرب المؤدّي للمحلّ في كلّ مرة، و آخرها موعدي بالأمس مع التاجرِ المهمّ القادم من المقاطعة (ب) و الذي ظلّ يثني على جودة خزفِنا و فرادته مبدياً استِعدادهُ لعقدِ اتّفاقٍ بين شركته و مصنعنا. و تواعدنا على الغدِ كي نُكمِلَ الصفقة..
***
جاءَ غداً و جاءَ فارس، قالَ لي أنّ معهُ خارطة لحانةٍ جديدة لم نقصدها قبل الآن، فرحتُ أنا.. سألته: هل يمكنني الذهاب معك؟ .. نعم تقدِر .. و كيفَ الطريق؟ .. سأشرحُ لك .. متى نذهب؟ .. قلتُ سأشرح.. و أخذَ يصفها لي
قصدنا الجزءَ الخلفيّ من الدكان، صدرُ الدكانِ مكانَ أبي.. و هوَ يصف.. لم أفهم! .. أخذَ يعيد .. لن أذهبَ وحدي .. أنا معَك .. و الدكّان؟ .. يتولاّهُ الصبي .. نعم نسيت .. ألن تلبس؟ .. نعم سألبس، و أنت؟ .. سأرتَدي أرجوحة .. و أنا بِنطال .. لا تَكُن تقليدي .. خُذ ذي وردة .. معكَ فراشة؟ .. لن أمسّ الحائط .. ستتعلّقُ مِنه. .. لا لن أفعل .. بلى ستفعل .. لا لن أفعل .. بلى ستفعل .. لا لن أفعل .. خذ هذِه! .. تدفعني؟ .. أميلك .. تميلني؟! .. أأرجِحُك .. تأرجِحني؟ .. أكوّرك .. يقولون أنّي كُرة .. كُرة؟! .. لا بل خَيطَ صوفٍ تلوّى من الجوعِ حتى صارَ كُرة .. يعني كُرة .. أنا لا أدري، و أنتَ ماذا؟ .. أنا لا شيء .. أنا كلّ شيء .. خذني معَك .. هل تتدحرج؟ .. بل أتأرجح .. انتَـ .. ماذا؟ .. انتَـ .. ماذا؟ .. انتبه .. علامَ؟ .. التاجر خلفَك .. رأسي خلفك .. إنّي جاد.. الآنية! .. طارَ الخزف .. رأسُ التاجر .. لا بل عينه .. رآنا؟ .. رآك!
وقعَ الكأسُ، كفّ اللعب؛ تهشّمَ كلّ قابلٍ للكسرِ في المحلّ! لَملَم التاجر أوراقه المبعثرة إثرَ الضجة، و رمقني بعينٍ شزرة و رحل.
صفقَ البابَ خلفه، و عِبارة “كنّا الأفضل” على اللوحة المشروخة فوقَ البابِ تتأرجح.. تعلوها الجملة التي كان والدي دائماً يردد: لأنّنا نؤمن أنّ السمعة كالخزف.
جرّب أن تعيش مرة في ذهنِ شخص عنده فصام في الشخصيّة، أن تحسّ بما يشعر به، تعيش أيامه، و ترى الشخوص الوهمية التي يخالطها.. أن تخلق الحِوارات في رأسِك، ثمّ تكتشف فجأة أنّ كل ما كنتَ تختبره هَباء. لم يكُن سِوى مرض يعشّشُ في ذهنك و يجعلك تتصوّر أناساً و حياة و أشخاص غير الواقع.
المؤلم جداً هو أن تكتشف بأنّ حياتكَ التي كنت تعيشها مع الذين تحبّهم لم تكن إلاَ خيالاً فقط!
آسف على الإزعاج: فيلم جميل جداً، و منتقى بعناية أنصح بمشاهدته.
مؤثّر و قوي ضحكت و بكيت معه، و الأكيد أنني لن أكتفي منهُ بمشاهدة واحدة.
.. إنتاج سنة 2008
بطولة: أحمد حلمي، منة شلبي، دلال عبد العزيز، و نخبة آخرون.