[ ميازيب الأزِقّة القَديمة ]
قصّة
أمسكت مريم بيدها الرسالة التي حملت إليها دعوة من مستشارية ثقافية عربية، للمشاركة في مهرجان للقصة القصيرة. أعادت قراءتها ثانية وثالثة، شعرت بالدنيا تتحرك من حولها تساؤلاً واستغراباً. كيف يمكن أن أستجيب لهذه الدعوة، والوصول إلى مكان المهرجان يتطلب زمنا وجهدا، وأكثر من وسيلة سفر؟ لا تصعّبي المسائل، فرصة طرقت بابك فلا تصديها.
استجابت مريم لصوتها الداخلي، وأخذت تفكر بالقصص التي ستشارك بها. تناولت مجموعة القصص التي انتهت مؤخراً من إعدادها للنشر، وقلبت صفحاتها لتختار منها ما يناسب المهرجان. الفكرة لم ترق لها، فمثل هذا التجمع الأدبي يستحق قصة جديدة. فردت أوراقها البيضاء، وأحضرت أقلامها الملونة و السوداء، و جلست تنتظر فكرة تكتبها. غيرت مكان جلستها، وقفت أمام الشباك تستطلع الأفق فكرة تنسج حولها قصتها، خرجت من الغرفة إلى المطبخ وأعدّت فنجانا من النعناع الساخن، وانتظرت.
_
رنّ جرس الهاتف، كان المتكلم ابنها. جاءها صوته محبطاً يائساً، وهو يقول: تكسرت أقدامي من الدوران بين شوارع جـِدة و حارة باب شريف , بحثا عن شقة ولم أجد , الإيجارات خيالية، والشقق التي رأيتها لا تصلح للسكن قبل طلائها وصيانة تمديداتها الصحية، والمؤجر غير مستعد لدفع قرش واحد في هذا السبيل. حاولت أن تهدئ خاطر ابنها بكلمات دينية، تعودت على ترديدها في لحظات الانهزام…
لا فائدة يا أمي، سأؤجل الزواج. قال ذلك بقهر ونزق. بعد أن وضعت سماعة الهاتف لم تستطع مَريم أن تخلص سمعها من كلمات ابنها. إحباطه أعداها، شعرت أنها تواجه أزمة حقيقية، صنعتها ظروفها المادية الصعبة وجشع أصحاب البيوت الخالية. وأدركت أن الحصول على شقة للإيجار ليس بالأمر الهين كما تصورت…
_
أغلَقَ ماجد الهاتِفَ محبطاً بعد حديثِهِ مع والدتِه. “كيف سأتزوّج رغدة الآن؟ راتبي لا يحتَمِلٌ إيجاراتٍ كهذه، و والدي يرفُضُ مُساعَدَتي بحجة أنني مازِلتُ في مقتَبَلِ العُمر، يقول أنه يجب عليّ الاعتمادَ على نفسي قبل التفكيرِ في الزواج. ألم يتزوّج هو والدتي في عُمرٍ مُشابه؟ حتى و إن كانَ قد أتمّ دراسَتَهُ و هي مَعَهُ؛ أنا لا أطيقُ إتمامَ الدراسة. وظيفتي في شرِكَةِ الكهرباء جيدةٌ جداً الآن بعد أن دخلتُ دورات تدريبيّة. لم يتبقَّ لي إلاّ الزواج، و سأفعل..”
قطعَ عَلَيهِ حبل أفكارِهِ رنين الهاتِف، أتاهُ صَوت أمّهِ أكثَر إشراقاً هذه المرة، أخذت تحكي لَهُ عن الدعوةِ التي جاءتها للمهرجان، و أنّها اعتزمت الرحيل في حالِ استطاعَ الذهاب مَعَها. طلبت منهُ أحذَ إجازَةِ أسبوع من عَمَلِهِ، و أخذت تحكي له عن فوائدِ السفرِ و الفسحةِ التي سيجدها للتفكيرِ مليّاً و إعادة ترتيبِ أوراقِهِ قبل أن يعود.. “لن أذهَبَ يا ماجِد إن لم تُرافِقني، فرصة تغيّر جوّك” ختمت مكالمتها بهذه العبارة و أغلَقَت السماعة.
تنهّدَ بتفاؤلٍ مستغرباً مِنَ الشحنات العجيبةِ التي تنقُلُها الأصوات؛ تؤثّرُ فيهِ فتُغيّر حالته النفسيّة سريعاً. ربما ورثَ هذه الطبيعَةَ عن أمّهِ كما ورَثَ الكثيرَ عنها، طِباعَها، عِندَها، و اعتدادها بذاتِها.. كانت لا تتقبّل بسهولة فكرة خارجيّة غير ما تؤمِنُ به، و كانت هذه نقطة خلافاتها مع والده؛ كِلاهُما يعتَقِدُ أنّ الحقّ مَعَه و غير مستعِدٍّ للعدولِ عن رأيِهِ و تقبّل آراءِ الآخرَ بسهولة…
___
المكان: مبنى مجلة ” أوساط ثقافيّة ” الإقليمية، في أبها
يدخل المراسل ُمكتبَ مُديرِ التحرير حامِلاً صينية القهوة، مكتب فخم من خشب السنديان، مُعلّقة على الجِدارِ خلفه عدد من شهادات الخبرة و شهادات تكريم من مهرجانات عربية ثقافية عدة و جهات حكومية أيضاً، أوراقٌ مُتناثِرَةٌ على المكتب هُنا و هُناك؛ بالكادِ خَلَقَ وسطها فُسحَةً ليضع الكوب. و وقف بانتظاره حتى فرغَ من الهاتِف. “هذه رِسالة وصلت للتو.. يبدو أنها من المغرب، أتريدُ شيئاً آخر يا أستاذ؟”
صَرَفهُ خالد قبل أن يفض الرسالة ليقرأ مُحتواها: دعوة من المستشاريّة الثقافية في المغرب لتشريف مهرجان القصة القصيرة المُقام في مدينة فاس، بمناسبة اختيارها كعاصمة للثقافة الإسلاميّة للعام2007 . ابتسمَ رغم تكدّرهِ من الخَبَرِ الذي حملَ لَهُ الهاتِفَ قبل لحظات. أخوهُ أحمَدُ أصيب بحادث، قالوا أنّ إصاباتَهُ طفيفة.. لكنّهُ عزم على السفر إلى جدة و الاطمئنانَ عليه بنفسِهِ، و من ثُمّ التفكير جديّاً في تلبية الدعوة لهذا المهرجان.
و أيّ عارفٍ بطبيعة خالد، كانَ ليعلَم أنّهُ لن يفوّتَ جمهَرَةً ثقافيّة تحوطُها الأضواءُ كهذه، فمُذ ذاقَ طعم الشهرةِ للمرة الأولى و أدمن عليهِ، لم يضيّع فرصَةً للظهورِ الاجتماعيّ إلاّ انتهزها، فضلاً عن عدم تفويتِهِ السبقَ الصحفيّ لمجلته في تغطية مثل هذه المهرجانات الثقافيّة للمُحافظة على تميّزُها.
طَلَبَ من مساعِدِهِ إرسالَ برقية بتلبيةِ الدعوة إلى المغرب، كما أوصاهُ بالاتصال بمُراسِل المجلة هُناك، حتى يكُونَ حاضِراً طيلةَ أيام المهرجانِ مع مصوّره..
_
المكان: مستشفى الساحل في جدة، قسم الحوادث.
“هيّنٌ ما أصابَكَ يا أخي، طَمأنوني بخروجِكَ قريباً بإذن الله. بضعة كُسورٍ ستلتئمُ مع الوقت، أليسَ كذلك يا ماجد؟ ” ماجد المشغول بمُلاحظة ابنة عمّهِ و هي تمُدُّ فناجينَ القهوةِ ابتَسَمَ خَجِلاً و أومَأَ بالمُوافقة قبل أن يستطرِدَ والِدُه: بالمُناسبة، عندي رحلة ضروريّةٌ لبضعة أيامٍ إلى المغرب، سيُقامُ مهرجانٌ ثقافيٌّ هُناكَ تمّت دعوتي له؛ سأذهب بمجرّد خُروجِكَ يا أحمد، مُعافى بإذنِ الله.
_ مهرجان، و المغرب؟ .. سيذهَبُ والِدايَ لنفسِ المهرجان إذاً. تُرى كيفَ ستكونُ ردّةُ فِعْلِ أمي؟ آه لو كانا لا يزالانِ سويّاً لتمّ إعفائي من مُرافَقَتِها في هذه الرحلة. و من يعلم؟ ربما يُفيدهما اللقاءُ في مكانٍ آخَرَ خارِجَ الظروفِ المُحيطةِ في إعادةِ التفكِيرِ بقرارِ انفِصالِهما. من كانَ يَظُنُّ أنّهُما سيتطلّقان! يبدو أنّها عَينُ جارَتِنا أمّ أيمَن، دائماً ما كانت تحكي لي والدتي عن شدة حسدها…
_
داخِلَ طائرَةِ الخطوط السعوديّة المُتجهة إلى المغرب؛
أمسَكَت مريمَ أوراقَها و أخذت تُعيدُ قراءةِ النصوص التي اعتزمت المُشاركة بها في المهرجانِ للمرة الألف، تُلقيها على نفسِها بصوتٍ مسموع، و تكتُب مُلاحَظاتها على الهوامش، ثُمّ تُعيدُها إلى الحقيبةِ لتُخرِجها بعد دقائق مرةً أخرى! قرّرَت قبل أيامٍ أنّ ما لديها من حصيلةِ قِصَصٍ لم تنشر بعدُ يُعتبر كافياً للمُشارَكَةِ به في المَهرَجان، رغم مُحاولاتِها المبذولَة لكِتابَةِ شيء جديد، لكن دونَ جدوى.
التفتت إلى ابنِها في مُبادَرَةٍ لإشغالِ نفسِها قائلة: ما بك؟ لست على طبيعَتِكَ اليوم، مُنذ ركبنا الطائرَةَ و أنتَ تتلفّتُ يميناً و شِمالاً و كأنّها المرة الأولى التي تستقلّ فيها واحِدَة في حياتِك!
أما ماجد فما برحَ يبحَث عن وجهٍ مألوفٍ توقّعَ الالتِقاءَ بِهِ منذ استقلّ الطائرَة، قبلَ أن يَتَذكّرَ بأنّ والِدَهُ و لو كانَ معَهُما في نفسِ المكانِ إلاّ أنَّهُ سيستَقِلُّ الدرجَةَ الأولى بالتأكيدِ، و بالتالي لن يلتقيانِهِ هُنا معهُما. الآنَ على الأقل.
“لا شيء يا أمّي، أبحَثُ عن أحَدِهِم فقط…”
و كأنّهُ تنبّهَ إلى أن هذا الأحدهم ليس إلاّ زوجها السابق، و إن لم يَقُل لها الآنَ ثمُّ التقت هي به هُناك لتتهمنّهُ بالتآمُرِ مع والدِهِ على هذه اللُقيا! .. فاستأنفَ: “ماذا لو كنت أبحَثُ عن والدي؟” و نَظَرَ في عينيها. فبدا و كأنها لم تستمِع لهُ؛ و آثَرَ الصمتَ احتِراماً للموضوعِ الذي لم يَجرؤ على فتحِهِ منذ عامينِ و حتى الآن.
_ إذاً أنتَ هُنا يا خالِد؟ بالطبع، مالي نسيتُ أنّكَ من أوائلِ المدعوّينَ لحفلٍ كهذا.. و تذكّرَتْ ليلَتها؛
كانا قادِمينِ مِن حفلِ عشاءٍ على هامِشِ أمسِيَةٍ شعريّةٍ في إحدى الدولِ المُجاوِرَة، و التي التَزَمَت هِيَ فيهِ الصمتَ رغمَ تغزّلِ أحدِ الشاعِراتِ الواضِحِ بزوجِها و مُبادَلَتِه لها أطرافَ الحديثِ، و الضحكاتِ أيضاً!.
لم تَكُنِ هذه المرة الأولى، لكنّها عَزمَت على أن تَكُونَ الأخيرة، ما عادت تحتَمِلُ ضريبَةَ كونِها زوجَةَ كاتِبٍ مشهور، جذّاب اجتماعياً، مُحِبّ للظهور، و لا يَقولُ لا لمثلِ هذه التصرفاتِ إطلاقاً.
ليلتها انفَصَلا، بعدَ مُشادةٍ كلاميّةٍ لم تَكُن لتقبلَ بأنصافِ الحُلولِ.
___
المكان: بهو الفندق، وسط مدينة فاس.
كانَ خالِد جالِس على مقعدٍ وَثير، يَتَصَفّحُ نسخَةً أوّليّة من العدد الجديدِ للمجلة، و يُعَلِّمُ على أحد المَقالاتِ بُغيَةَ تعديلِه قبلَ الطباعة. أحَسّ بصُداعٍ يفتِكُ برأسِه، فابتَلَعَ قرصاً مُسكِّناً مع كأسِ ماءٍ ثُمَّ استرخى. عَمَلٌ و انشِغالاتٌ مُتواصِلَةٌ منذ أيّام، لم تترُكْ لَهُ مجالاً للراحَةِ إلاّ قليلاً، لم يَكُن مِنَ النوعِ الذي يهتمّ بنفسِهِ أكثَرَ من عملِهِ أو ما أوكِلَ إلَيهِ، فلا يُباغِتهُ الإرهاقُ إلاّ في حالاتِ سكونِهِ؛ مثلَ هذه اللحظة.
” أهلَكْتُ نفسي عَمَلاً و نسيتُني. يَقولُ الطبيبُ لا تُجهِد نفسَك، و ما أدراهُ عنِ الإجهادِ هُوَ؟ لم أعتَدِ التقصيرِ في أيٍّ ممّا أفعَلُ فلا يحمّلني وِزرَ إرهاقي. ليتَهُم يَختَرِعونَ آلاتٍ تتكفّلُ بالقَلَقِ عنّا، فتمتصّ إجهادَ التفكيرِ و عمل العَقلِ المُتعِبِ أكثَرَ من أيّ شيء آخر.”
فَتَحَ حاسوبَهُ المحمول و شَرَعَ في مُتابَعَةِ نتائجِ استفتاءٍ يُجرَى في أَحَدِ المنتدياتِ الإلكترونية، قبلَ أن يسمَعَ صوتَها المُنهَك: “يبدو أنّنا آخِر الواصِلينَ يا ماجِد!”.. تذكّرَ الآنَ سبب مكوثِهِ هُنا و رفضِهِ الصعود إلى غرفتِه؛ حتى يطمَئنّ عليهِمَا.
شيءٌ في داخِلِهِ اشتاقَ لها يُريدُ أن يَراها، كانَ يَعلَمُ أنّها قادِمَةً منذ أخبَرَهُ ابنَهُ في المستشفى عن مُصادَفَةِ رحلتهما؛ تُرى هل تُريدُ أن رؤيته هي أيضاً أم أنها مازالَت غاضِبَةً و ترفض لقاءه منذ ذلك اليوم؟
_أظنّها مُستاءَةٌ لطلاقِنا، أعلَمُ أنني تسرّعتُ و طلّقتَها في ساعَةَ غَضَبٍ بمجرّدِ أن طَلَبَت هِيَ ذلك، لَكِنَّ عِنادَها تسلّطَ عليها، و رَفَضَت العودة لما أسمَتهُ “حليمة و عادتها القديمة”!
و ما ذنبي أنا إن كُنتُ مُلزَمٌ بمُجامَلَةِ الجميعِ بحُكمِ مركزي و طبيعتي الاجتماعيّة التي تفرض عليّ مثل هذا النوع من المُجاملات..
___
صباح اليوم التالي:
_ متى يبدأ المهرجان يا أمي؟
_ أظنه في الساعة الثالِثة، ستأتي سيارة لتقلّنا إلى هناك.
كانت مريم و ابنها يُفطِرانِ صَباحَ يومِ المهرجان المُقَرَّر إقامتُهُ في مبنى الجمعيّة الثقافيّة العامّة بالمدينة ..
“كيف حالكِ يا أم ماجد؟” التفتت بملامِحَ تدلّ على توقعها مثل هذه المصادفة الصباحيّة: بخير يا خالد، كيف حالك أنت؟ تفضل بالجلوس مع ابنِكَ، أما أنا فلدي بعض الأمور الواجبِ إتمامُها قبل موعد الذهاب.
” مازالت تتهرب مني” هَمَسَ خالِدُ لنفسِه .. “مالك يا رجل؟ لم أعتد منكَ مثل هذا الانهزام، ربما كانت مشغولة فعلاً. ثُمّ ماذا تنتظر من امرأة غريبة عنكَ أن تفعل، نسيتَ أنها طليقتك؟ ليس لك الحق في مطالبتها بالجلوسِ معك. أرأيتَ كيف صارت أكثر قوّة مما مضى، لم تَعُد بحاجة الاستِنادِ عليكَ بعد الآن.
أيعني هذا أنها كانت من قبلُ مرتبطة بي لأسنِدها؟! لا لقد أحبتني فِعلاً، ثُمّ إن عشرة كل هذه السنين من المُحالِ أن تذهب هباء…”
… و انصهرَ خالِدُ في حوارٍ لا ينتهي مع الذات!
___
المكان: قاعة المؤتمرات في مبنى الجمعيّة الثقافيّة العامة بمدينة فاس
” نَشكُرُ الروائي سعيد حامِد من جمهورية مِصرَ العربية على هذه المقطوعة القصصية الممتعة.
و تتقدم الآن الكاتبة السعودية مريم إبراهيم.. الحاصلة على بكالوريوس في اللغة العربية، و التي استطاعت خلال الخمس سنوات الماضية حفر اسمها بتؤدة و اتزان في طلائع كُتاب القصة القصيرة، القادمين بقوة على الساحة الثقافية في الخليج العربي، و بالمملكة العربية السعودية على وجه التحديد”
قطعت مريَمُ المسرَحَ بخُطى واثِقة، مُنتشية بهذا التقديم الذي أحست أنه أعطاها حقها في الاعتدادِ بذاتِها و بإنتاجِها القصصي. و أخذت تنظُرُ للحُضورِ و تحدّثُ نفسها قبلَ أن تأخُذَ المقعد..
على يمينِ الصفِّ الأوّل صحفيّةٌ بقميصٍ حريريّ بأقلام سوداءَ و رماديّة، حِذائُها الفاخِرٌ يُطِلّ من تحتِ تنورة سوداءَ طويلة. “آهِ لو رفَعت شعرَها و أبعدت القَلَمَ عن شفتيها مُقصِيَةً هذه النظرةَ البلهاءَ؛ لقُلْتُ بأنّها تعرِفُ كَيفَ تتأنّق”.
على اليَسارِ خلفَها ناقِدٌ مافتئَ يَكْتُبُ في مفكِّرَتِه قبلَ و بعدَ و أثناءَ إلقاءِ النصوص، و كأنّهُ يُعِدّ العدة لحربٍ لا يُعلَمُ متى ستبدأ: “لا أظُنّهُ يملُكُ الوقتَ الكافي للسماع أصلاً”!
كاتِبٌ مثقّف و مقدم برنامَجٍ حواريّ شهير يجلسُ هُناك. يحتل المقعد بجانبه أديبٌ كانت صورتُهُ تتصدر الملحق الثقافي في الصحف الأسبوعَ الماضي على هامِشِ خبرٍ عن حفل توقيع روايته الجديدة. “شَكلُهُ في الصُّوَرِ أوسم”!.
أما تلكَ فيبدو أنّها مِنَ المُحدَثاتِ على الوسط! واضِحٌ من طريقَةِ لِبسِها و أكوامِ المساحيقِ على وجهِها أنها أضاعَتِ الطريقَ عن حفلَةٍ تنكريّة..
جَمْع منَ الأدباءِ و الكُتابِ و المُثقّفين مع أفراد من الصحافة و الإعلام، ليسَ بذلكَ الحُضورِ الكثيفِ الذي تَغُصُّ بِهِ القاعَة _هذا لو كانَ قد مَلأ نصفَها_ لكنه حضورٌ مُميّزٌ فِعلاً.
…
نظراتُ ابنها أيقظتها، كادت أن تُنسيها أفكارها الغَرَضَ من الصعودِ على المسرح.. فبدأت بإلقاءِ القصّة:
{ لا يمكننا عقد المكان و الزمان في سلسلة واحدة، فكلاهما يمشي موازياً للآخر، لا يلتقيان إلا من خلالنا؛ نحن الواقعين في البرزخ ما بين الشيئين. عَجَلُ الزمان يتسارعُ؛ جاراً معهُ سلاسِلَ الوقت، صوتُ صلصلتها يجلجل محفزاً صدى الفراغ الساكن فيهِ على النهوض. و ما زالَ المكانُ مستقرٌّ محلّهُ كسيحاً عاجِزاً عن المُضيِّ قُدُماً لمجاراتِهِم ………. }
_____
بعد يومين؛
نَزَلَ ماجِد يتمشّى في أزقّةِ المدينةِ العريقة. أرادَ أن يُزيحَ أبخِرَةَ الاختِناقِ التي تسللت إلى صدرِه، بعدَ أن باءَت مُحاوَلَتُهُ اليتيمةُ بإقناعِ والِدِهِ بِمُساعَدَتِهِ في الزواجِ بالفشل.
فقد انتَهَزَ فُرصَةَ جُلوسِهِ مَعَهُ في اليومِ الأوّلَ لهُم هُنا و فاتحهُ في الموضوعِ الذي أُغلِقَ سريعاً بِسَبَبِ عدمِ مُلائمةِ الأجواءِ لمناقشةِ هكذا موضوعات..
“يا بُنَي لا تظنّ أنني غيرُ مُهتَمٍّ بزواجِكَ أو لا أُريدُ لك السعادة، لكنّ الظروف المعيشيّة صعبَةٌ جداً هذه الأيّام، و إن لم تبدأ حياتَكَ على أساسٍ ثابتٍ، كيف ستستطيعُ توفيرَ بقيّةِ المصاريف، و تحمّل مسئولية المرأةِ و الأولاد؟ أنا لا أقولُ هذا لعدم رغبتي في مُساعَدَتِكَ، و لكن حاول الاعتِمادَ على نفسِكَ، و تأمينِ حياةِ أبنائكَ قبلَ أن تتزوّج، و لا مانِعَ من بعضِ المُساعَدَة. و لكن أن تطلُبَ مني تحمُّلِ كُلّ الأمورِ فهذا ما لا يقبلهُ العقل. لو أنّكَ دخلتَ الجامِعَةَ كما خططتُ أنا لَـ… “
لم يَحضر ماجِد بقيّةَ الحديثِ لأنّ عقلُهُ اللاواعِيَ أُغلِقَ بمجرّدِ طرح موضوع الجامِعَةَ و إتمامِ الدراسة فيها، ” متى سيفهَمُ والِدِي أنّني مختلف عنه؟!”.
كانَ يُسَحِّبُ قدَميهِ في طُرُقاتِ السوقِ، و يتمشّى في الحاراتِ القديمَةِ يُطالِعُ أبنيتها و شبابيكَها، ميازيبُ الأزقّةِ العريقة تبتَسِمُ لَهُ مُتوَدّدَةً، و كأنّما تحكي له تاريخَها المُمتَدّ على مرّ ألفٍ و مئتي عامٍ منذ تأسيسِ فاس؛ هذه المدينةِ المنبعِثَةُ من عبق التاريخِ و سحرِ الحضارة …
فجأة، ظَهَرَت أمامَ وَجهِهِ ابتِسامَةٌ أُخرى بلهاءَ جميلة؛ بشَعرُها المُجعّد المنسَدِل على عينيها، و نفس القلمِ الذي لا يُبارِحُ شفاهها أنّى حلّت.. “عفواً، ألَستَ مِن روّادِ مهرجانِ القصّةِ المُقامِ في المدينةِ حاليّاً؟” صَوْتُها الرَخيمٌ فاجأهُ في خِضَمِّ أفكارِه: ” اعذرني للتطفّلِ و لكنّ شكلُكَ لا يوحي بكاتِبٍ مُخضرَمٍ أو حتى رجُلَ صحافة، لو كُنتَ تحمِلُ كاميرا لقُلتُ بأنّك أحد المصوّرين”
.. ماجِد المشدوه من جراءةِ هذه التي انقضّت عليهِ بالأسئلة تلعثَمَ قائلاً: لا، أنا مُجرّد ضيفٍ و مُرافِق، و أنتِ؟
_أنا صحفيّةٌ من جريدَةٍ مصريّة قدِمنا لتغطِيَةِ هذا اللقاءِ، و سنعودُ غداً أو بعدَ غدٍ بمجرّدِ انتِهاءِ اليومِ الأخيرِ من المهرجانِ، لم تَقُل لي من تُرافِق؟
_أُرافِقُ والِدَتي الكاتِبَةَ مريم إبراهيم من السعوديّة.
_ تشرّفنا.. أنا اسمي “رَزَاز”؛ نزلتُ اليومَ إلى سوقِ المدينَةِ حتى أتبضّعَ بعضَ الهدايا لإخوتي و أصحابي في مصر، و أنت؟
همس ماجد ” يا لها من ثرثارة، لا أدري هل تعني السؤالَ عن اسمي، أمِ السؤال الذي أردَفَتهُ بعدَ تقديمِ نفسِها مُباشرة، أم أنّها تسألُ لمجرّدِ السؤالِ فقط”؟!
لم يَكُن ماجِدُ ليَتَفَهّمَ حاجةَ بعضِ البَشَرِ مثل رزاز للحديثِ و تكوينِ صداقاتٍ حيثُ حَلّوا رغمَ ميلِهِ لدراسَةِ الطبائِعِ البشريّة؛ و الذي كانَ يُمارِسه بصمت و بتحليلٍ منطقيّ عميق جعل مِنهُ المنعوتَ بلقبِ الفيلَسوفِ بينَ أصحابِه، و الذينَ عزوا ذلِكَ إلى نشأتِهِ في عائلَةٍ مثقّفةٍ؛ تملِكُ ميزاناً للحديثِ في بيتِها. فيَزِنُ كَلامَهُ ليأخُذَ ما يحتاجُ مِنهُ قبلَ الخُروجِ؛ و يذرُ الباقي في المنزِلِ مدّخراً للأيامِ القادِمَة!
_ ……..
_ اسمُكَ ماجد طالب؟! .. أتعرف الكاتب السعودي المعروف خالد طالب؟
_ أنا ابنُهُ يا آنسة، لم أكُن أعلم أن والدي مشهور لهذه الدرجة حتى تصل أخبارهُ عندَكُم في مصر.
_ كنتُ في تغطيةٍ للِقاء سنوي بين رؤساء تحرير المجلات الثقافية العربية بالإسكندريّة، و كان هوَ من بين الحضور. طرحَ مَحَاوِرَ عديدة يومها.. و للأسف، لم أتمكّن من عمل لقاء مَعَهُ لجريدتنا.
_ ردّ ماجِدُ عليها: قد أدبّر لكِ واحِداً لو أردتِ؛ و لكن ماذا ستعطينني في المقابل؟
أجابت ضاحِكة:
_ امممم .. حسناً؛ سأهديكَ كَفّيْ عن الثرثرة، واضحٌ أنّكَ لا تُحِبّ الثرثارين.
___
الحفلُ الخِتاميّ؛
تقدّمت مريمُ لاستِلامِ شهادة التميُّزِ و التقديرِ المقدّمةِ لها من إدارة المهرجان. الفرحةُ تملأ عينيها، نظرات ابنِها المُشجّعة لا تُفارِقُها، و نظراتُ خالِد الفَخورَة بها كذلك…
بعدَ انتِهاءِ توزيعِ الشهاداتِ و الجوائِز تقدّمت منها زميلَةٌ إماراتيّةٌ كانت قد تعرّفت عليها خِلالَ أيّامِ المهرجان: ألفُ مُبارَكٌ عَلَيكِ هذا التفوّقَ يا مريم. و بالمُناسبة، لا بد من أن آخُذَ عنوانكِ حتى نتواصَلَ قريباً بإذنٍِ الله.
_ أنا من سَعِدَت بمعرِفَتكِ يا علياء. و صدقيني، مثل هكذا إنجاز لا يكتمل بدون فَرحةِ من يعنونَ لكِ الكثيرَ معكِ بإنجازِه.
“لطالَما حلمتُ بأن يَكونَ خالِدَ معي في مثلِ هذه اللحظة ليفرَحَ بي كما فرحتُ بهِ في الأيام الخوالي.
صحيحٌ أنّني مزاجيّةٌ و صاحِبَة غيرة غيرُ مُبرّرةٍ في بَعضِ الأحيان، لكنّني كُنتُ أسعَدُ بإنجازاتِهِ و كأنني أنا من يُحَقِّقُها، كيفَ لا و قد كُنتُ جُمهورُهُ و ناقِدُهُ الأوّل كما كانَ يُرَدِّد دائماً”
انتَبَهَت كعادَتِها إلى أنّها ظلّت تُناجي نفسَها بعدَ أن تبادَلَتِ العناوينَ مع صديقَتَها الجديدة علياءَ التي كانت قد رحلت.
خالِد الواقِف بكامِلِ أناقَتِهِ في طَرَفِ القاعَةِ يُوَجِّهُ مُراسِلَ المجلةِ في صِياغَةِ خَبَرٍ ما؛ لَمَحَها تنظُرُ في الفراغِ ساهِمة _و كأنّ نظراتها اختَرَقَتهُ لتنقِلَ لهُ ما كان يجولُ في خلدها_ فلم تنتَبِه لِقدومِهِ مُسلّماً و مُبارِكاً حتى قال:
_ فَعَلتِها يا مريم. ألم أقُل لَكِ أنّكِ عظيمة لو أعطَيتِ نَفسَكِ مجالها؟ لا تتوقّفي؛ و أكيدٌ أنا من أنّكِ ستتفوّقين على نفسك قبلَ الجميع.. بانتِظارِ كِتابِكِ القادم.
_ كتابي القادِم؟ أجابت باسِمة، لم تُعلِّق قبلاً على كِتابي الأوّل، حتى ظننتُ أنّكَ لم تطّلِع عليهِ
_ لَم أُرِدِ التعليقَ مُباشَرَةً حتى لا تقولي بأنّني أحاوِلُ التأثيرَ و الضغطَ عليكِ حتى تستجيبي لمُحاولاتي في الاتصالِ بِكِ بعد الأيام الأولى من انفِصالنا. ثُمَّ لو أنّكِ تابَعتِ عمودي بالمجلّةِ تلكَ الفترة؛ كنتُ قد عرّجتُ فيهِ على ذكرِ مجموعتكِ القَصَصيّةِ الأولى و علّقتُ باقتِضابٍ عَليها.
ردّت بإحباطٍ: لَم تُلاقِ النجاحَ التي توقّعتُ و مازِلتُ متردّدةً بشأنِ المجموعَةِ الثانية.
فحثّها قائلاً: لا يوجَدُ كاتِبٌ ينجَحُ من المرةِ الأولى إلا بمُعجِزَة، خُطواتُكِ صحيحة و خاصة بعدَ الصدى الذي حققته في هذا المهرجان، و أنا أكيدٌ من أنّ مجموعَتكِ الثانية ستُلاقي نجاحاً أكبر؛ و ستدفَعُ القارئ و المُتابِعَ للرجوعِ إلى كتابِكِ الأول و قِراءَته مادامَ قد أُعجِبَ بأسلوبِكِ
كانت تُحِبُّ حديثَهُ المُطَمئنَ و كأنّهُ مازالَ واقِفاً مَعَها يَشُدُّ من أزرِها مثلَ كُلِّ مرّة.. أرادَت أن تَهمِسَ لَهُ: “أحتاجُكَ أنا.” لكِنّ كِبرياءها مَنَعَها.
أو رُبّما رؤيَتُها لصاحبة القميصِ المُقلّمِ الحريريّ، و الشعرِ الذي مازالَ يستجدي رَفعَهُ _قادِمَةً مع قَلَمِها_ جَعَلَها تعدِلُ في اللحظَةِ الأخيرةِ عمّا انتوت.
_ أهلاً بالأستاذ خالد..
_ يا هلا.
_ قالوا لي أنَّكَ ستسمَحُ لي بِلِقاءٍ خاص مَعَكَ لجريدَتِنا.
_ بالتأكيدِ سأسمَح. و حتى لو لَم يكن لدي علمٌ مُسبقٌ؛ فتاةٌ حلوةٌ مِثلُكِ ستجبِرُنا غصباً على السماح.
لكن انتَظِري قليلاً أنا مشغولٌ بحوارٍ ذا أهميّةٍ بالنسبَةِ لي هُنا.. دقائقَ و أحضُر، أو لنؤجل اللقاء لحينِ عودَتي إلى بهوِ الفندق الذي أقطُنُ فيه، حتى أكون أكثَرَ تفرّغاً..
و التَفَتَ ليُتِمَّ ما عزمَ على البدءِ بِهِ مَعَ مريَم.. كانَت قد رَحَلَت!
” أعلَمُ أنّكَ لن تتغيّر. حتى و إن حاولتُ أنا.. و أحبَبتَني أنت،
سنسيرُ إلى نفس الميازيب، لنختَصِمَ على ذات الأسباب التي لَفَظَتنَا قبلاً
.. و نسقُط ؛
على ذاتِ الأزقّة القديمة”
احيّي جهدك وإبداعك. القصّة ممتعة رغم طولها. والأسلوب سلس ومترابط وفيه لمسات شاعرية. ولولا بعض المفارقات التي تضمّنتها لخامرني الشكّ بأنها قصّة حقيقية لم تتغيّر فيها سوى الأسماء.
أتصوّر أنها تقول أشياء كثيرة عن الوسط الثقافي وحقيقة بعض الرموز والأسماء التي تسيطر عليه.
أهنئك مرّة أخرى وأتمنّى لك دوام التوفيق.
Prometheus:
شكراً كثيراً و لا يملّ يا فنان
هي تقريباً قصة حقيقيّة من نسجِ عقلي
شاركتُ بها في المنتدة الأدبيّ قبل عدة سنوات،
و كان المقطع الأول منها مكتوباً مسلفاً من قبل معدّي المسابقة فأكملتُ حوله.
ممتنة أنها أعجبتكَ والله. و العُقبى للحكايات القادمة بإذن الله.
رائعة ندى..
في أول زيارة لي إلى مدونتك لا أستطيع اخبارك الى اي مدى أحببت هذا المكان!
القصة رغم طولها إلا أن ممتعة جدا واتصور انها تشد القارئ حتى نهايتها..
بانتظار جديدك ياعزيزتي، لا تتأخري كثيراً..