اعتدنا منذُ زمن على العيشِ دونَ خادمة، كانت تأتي في الأزمات.. حينَ تلد أمي مثلاً أو عندما تكون إحدانا في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية. و كانت حياتنا طبيعية.
خادمتنا الأخيرة غادرت منذ سنتين، كنا نمشّي أمورنا باعتيادية بعدها.. لكن مؤخراً، لم أرَ بيتنا في هذه الحالة من الكركبة من قبل. تُرى ما الذي تغيّر؟
ربما لأنني و أختي على مشارف تخرج، كلّنا عالِقاتٍ في أزمة مشروع، إخوتي يدرسون كلهم، و أمي مشغولة باختبارات شهادة الدبلوم العالي التي أنهتها قبل أسبوعين، كانت مريضة عدة أيامٍ أيضاً، و هي كذلك رئيسة تحرير لمجلة محلية.. و والدي موظّف. هه تخيلوا للحظة فكرة أن يقوم الوالد و الإخوة بأعمالِ المنزل بدلاً عنّا؟ عن نفسي لا أستطيعُ رسمَ الصورة في خلفية تصوّري حتى. يكفي أنّ “عبود” يترك أكياس القمامة يوماً كاملاً من الترجي و الاستدعاء حتى يتلطّف و يرميها!
في مُحاولات لاحتِواء الأزمة في منزلنا قسّمنا المهام.. طالب المرحلة الابتدائية يعبئ آنية الماء و يُخرج القمامة للشارع. طالب الثانوية صارَ سائقاً بدوامٍ نصفيّ لصالح أغراض المنزل، أمي تتولى طهوَ الغداء و غسلَ الصحون حتى موعد عودتنا من الجامعة.. و قسّمنا عمل المطبخ بعدها على ثلاثة أيام تتولّى كل واحدة منّا أنا و أخواتي يوماً من ساعة الغداءِ و حتى الليل.. و ما زالَ بيتنا في حالةٍ مزرية، تحوّل أحد المجالس إلى غرفةٍ خاصة بالصغيرة التي تجلس طوال اليوم متابعةً Space Tone، mbc3, و قناة المجد للأطفال.. ناثرةً ألعابها في كلّ مكان، و الويلُ لمن يقترب من بيت القِطّة _كما أسميناه_ إلا إن كانَ سيشاركها المشاهدة أو اللعب و رواية القصص مثلاً.
في بيتنا أزمة مالية كذلك. لستُ بصددِ شرحها، لكنّي صرت أحس أحياناً أننا نعلو خطّ الفقر بدرجتين. لم أتخيّل أن أزمة الاقتصاد العالميّ ستلقي بثقلها على المواطنين البسطاء أمثالنا، كلّ سنةٍ صارت أسوأ من سابقتها، حتى البيت الذي نبنيهِ في مساحةٍ لا تتجاوز الـ500متر ما زال تحتَ الإنشاء منذ أكثر من خمس سنين _في الحقيقة توقّفتُ عن العدّ منذ تعدينا المدة المحددة للخطّة الخمسية_
صارَ كلّ شيء متعلق بالبيت الجديد. آمالنا منشورةٌ على سور البيت الجديد.. سنستقدم الخادمة في البيت الجديد، غرفتي الخاصة في البيت الجديد، حتى السفر تأجل لما بعد السكنى في البيت الجديد الذي يخيّل لي أن المهندس أحمد كان يتّصل قبلَ دهرٍ ليسأل عن والدي قائلاً: قولوا له المهندس أحمد اللي بيبني لكم الفلة الجديدة. و ما عادت الفلة جديدة!
أحمد الله بالطبع أني فرد في هذي العائلة السعيدة، و حينَ أقول سعيدة فأنا أعنيها حرفياً.. ابتداءً من جدالي مع أختي الذي يتحوّل ببساطة إلى عِراكٍ حامٍ تنشب فيه أظفارها بساعدي في الوقتِ الذي أجرّ فيه شعرَ رأسها! أو نقاشي مع والدتي بخصوصِ برنامجٍ ثقافيّ تركنا موضوعه و أخَذنا نعلّق على حِجاب المذيعة التي يفترض أن تكون سعودية.. و انتهاءً بمناداتي لطالب الثانوية من الدرَج كي يخفّ على التحميل قليلاً ليتسنّى لي إنهاء مقطعٍ كنت أشاهده على الـ You Tube..
أحبّ حتى حِواراتنا التافهة، الكلمات التي ترددها الصغيرة في كل مرة بعدما أسألها: تحبيني؟ لتردّ: أحبك قد الكون، قد الدنيا، قد القلوب.. و نتشاجر أنا و هي على جدوى إدخال القلوب في الحِساب من عدمه.
يوماً ما سأذكر الأيام التي أعود فيها من الجامعة جائعة لأجدهم قد تناولوا الغداءَ قبلي و سبقوني، و لا أدري إن كنتُ سأكون في نفس المزاجية التي أمارسها الآن بتفرّد اعتراضاً على كلّ القرارات العشوائية في منزلنا أم أنني سأنضج و أكبر و أتغير، و تتغيّر معي مزاجيتي في كلّ شيء، حتى على نفسي و على غرفتي! الغرفة التي بعدما كنتُ أخصص يوم الأربعاء من كل أسبوع لترتيبها، صرتُ أفرح لو وجدتُ الوقت لها في الشهرِ مرة أو مرّتين. و في هذه المرات بالتأكيد أني كنتُ أبحث عن شيءٍ ضائع تحت الركام. ربما عقلي مثلاً.. أو أحدَ كفيّ.
أحلم دائماً أني سأنطلق يوماً، سأحلّق لأدخل مداراتٍ أخرى _غير بيتنا الصغير، هذا المحكوم بقوانين غريبة نصفها متناقضات، و القاطن في الجزء الشرقيّ من هذا العالم _ سأحلّق لأرى الدنيا و أنشئ عوالمي الخاصّة. سأحرّر لي في كلّ بلدٍ قصة، و أسافر كثيراً، حاملةً بيتنا الصغير ذو الحالة المزرية في قلبي.. فقط في قلبي.
كم اتمنى ان نستغني عن الخادمات في منزلنا
لكن يبدو انها امنية مستحيل كباقي الامنيات ..
اسلوبك جميل جداً
ادام الله سعادتكم ..
تعلمين .. قرأته ، وكان رائعًا
تقولين بيتنا في حالة مزرية ، وأنا أراه يتنفس
والجميع .. الجميع تحت ظله ، ر غِم كل ذاك ..
ابسمي .. فبيتكم جميل
لم أعتد على خادمة يوماً وإن أتت بأحلك الظروف أخجل من إيكالي لها بأي شيء..!
جميلة جداً الحياة المبعثرة فلتحتفظي بها واقعاً وقلباً إن اردتي..
أنا لا أحبُ الخادمات على فِكرَة. لا أرتاحُ لهُن. انتشاجر مع والدي دائماً عندَما نُفكر في أن نأتي بخادمَة. لا أفكر أن هُنالك غريبَة ستنامُ لمنزلنَا وستلمسُ فراشي وتُرتبه أو تغسل ملابسنا مثلاً. اتقزز من مشاهد كهذه. لا أثق بنظافتهن ولا بهن. أفضل الخادمات اللواتي يعملن بالساعات.
وهُنالك رُغم كل شيء في كُل منزل فرح. الفقير يهنئُ بالشمعَة التي يُوقدُها قبلَ النَوم. والغني يهنئُ بالثُريا الجديدة التي ابتاعها.
المنزل يحتاج لخادمة بالفعل ولأن العبء علي كبير ولكن مع ذلك نحن على مايُرام
إنَّ اللهَ لا ينسى عبدهُ أبداً.
أعجبني جدًا مروري على سطورك الثريّة !..
لعلّ لي عودة لقراءة أخرى متأنّية : ) بإذن الله ..
عاطرات التّحايا ~
ذات الشمم:
يخليك يا رب،
سعيدة بالتعرف عليك.
almuna:
نعم، بالتأكيد بيتنا جميل بمن فيه
كلّ ما في الأمر أنّي كنتُ في حاجة لأن أتنفّس.
_
حيّاكِ يا مُنى..
هذا من دواعي سروري والله.
مريم النقيب:
أبشري،
و حيّاك الرحمـن.
كُوفيَّة:
لا يُشترط أن تلمس الخادمة فراشك و ترتبه لو لم تريدي لها ذلك
يمكن أن تمسك أمور البيت فقط و تتولين أنتِ شئونكِ الخاصة لو أردتِ
لكنّ وجودها مريح..
لمّا قلتِ إن الله لا ينسى عبده تذكرت الحديث، عندما جاءت فاطمة و عليّ رضي الله عنهما للنبي صلى الله عليه و سلم يطلبانه خادم يعينهما فقال عليه الصلاة و السلام:
“ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أوتيما إلى فراشكما، أو أخذتما مضاجعكما، فكبِّرَا أربعًا وثلاثين، وسبِّحَا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم”
[البخاري].
_
ممنونتك يا كوفيّة (L).
بسمة الإبداع:
شكراً كثيراً لكِ
و أنا بانتظارك يا حلوة.
كـأنك تحكين عنا في بعض اجزاء حكايتك
أحكي عن كثيرين في أجزاء حكايتي يا جاز
.. و تتكرر الحكاية.
ذكرتني بالذي مضى ياندى ..
قلمك رائع ..
شكرا لهذه المصادفة التي منحتني المرور على مدونتك ..
و كيف هوَ الحاضر الآن؟
_
حياكِ يا فوتون
و أشكرك كثيراً، كثيراً جداً.
كم تتشابه القصص ياعزيزتي..
تخرجت من الجامعة ولم أكف عن رؤية بيتنا كـحالة مستعصية من الفوضى من وقت لآخر..
لازلت أنزعج من الضوضاء التي يصدرها الجميع، وأفزع حين تخفت أصواتهم لأخرج مستطلعة ما المشكلة،
لازال الصغير يزعجنا على كل وجبه بشهيته المسدودة وملاحقة والدي له بالأكل حتى ينتهي الأمر بمايشبه العراك و بكسبهم متفرجة تمسك الملعقة او الشوكة في يد وتتكئ على كفها باليد الأخرى!
وحين تعوزنا الخادمة (نظراً لأزمة الخادمات في الفترة الأخيرة) فلا زلت أرفع رأسي صوب الدرج منادية أخي اللي “أكل وقام” كي يرفع صحنه على القليل
ربما لازال في الوقت متسع لأحمل بيتنا في قلبي واضعة مفتاحه على عتبة بابي لحين رجعتي، ربما!